بعض القصص لا تبدأ في المقاهي ولا على التطبيقات. تبدأ حين يتعطّل العالم لساعتَين ويُلقي اثنَين من الغرباء في نفس العربة. هذه حكاية ندى وياسر، كما روَياها لي في مقهى صغير في حيّ الزمالك بعد ثلاث سنوات من ذلك القطار.
يناير 2023: عاصفة لم يتوقّعها أحد
كانت ندى، 28 عامًا، موظّفة في شركة استشارات في القاهرة. اتّصلت خالتها صباح السبت تخبرها أنّ عمّتها توفّيت في الإسكندرية. العزاء في المساء. حجزت بسرعة قطار الساعة الواحدة ظهرًا. اختارت الدرجة الأولى المكيّفة هربًا من الازدحام.
ياسر، 31 عامًا، مخرج أفلام قصيرة مستقلّة. كان ذاهبًا إلى الإسكندرية لتصوير مشهد افتتاحي في فيلم بميزانية ضئيلة. معه حقيبة كاميرا وعدسة واحدة. حجز التذكرة الأرخص، لكن عند تغيير الحجز في اللحظة الأخيرة وجد فقط الدرجة الأولى.
جلسا في صفَّين متجاورَين. لم يتكلّما ساعة كاملة.
العاصفة الترابية
عند طنطا، بدأت الرياح تشتدّ. القطار بطّأ. عند دمنهور، توقّف تمامًا. العاصفة الترابية التي تضرب الدلتا مرّة أو مرّتَين في السنة كانت تغطّي الأفق. القضبان لم تكن ملوّثة، لكن الرؤية صفر. قرّر السائق الانتظار.
بعد أربعين دقيقة من الصمت المرتبك، قال ياسر: "عندك شاحن iPhone؟". قالت ندى: "آندرويد، آسفة". ضحك. قال: "أنا أُمازح. معي شاحن للنوعَين — أردتُ فقط أن أبدأ حديثًا". ابتسمت. كانت أوّل ابتسامة بعد خبر الوفاة.
ساعتان ومئة موضوع
تحدّثا عن:
- كيف أنّ الإسكندرية ليست ما كانت عليه في التسعينيات (رأيها).
- لماذا يكره ياسر كلمة "سينما مستقلّة" (رأيه).
- عن جدّ ندى الذي كان يملك محلًّا في محطّة الرمل، وجدّة ياسر التي كانت تبيع الكعك في كرموز.
- عن الرغبة المتبادلة في ترك الوظيفة، والخوف من الانتقال إلى سوق عمل حر.
"في ساعتَين، عرفت عنها ما لم أعرفه عن زملاء سنوات" — ياسر.
الوصول إلى الإسكندرية — والانفصال
وصل القطار متأخّرًا ثلاث ساعات. ندى ركضت مباشرة إلى العزاء. ياسر تأخّر على فريق التصوير. لم يتبادلا أرقامًا. ياسر قال إنه سيبحث عنها على Instagram — لم يكن يعرف اسم عائلتها بالكامل. ندى اعتقدت أنّه "رجل لطيف في القطار" لا أكثر.
لمدّة أسبوعَين، فكّر كلّ منهما بالآخر وقالا ما يقوله معظمنا: "حظّ". لا أكثر.
لكن الخوارزمية...
ياسر نشر مقطع إعلان لفيلمه على Instagram بعد شهرَين. ندى شاهدت المقطع من حساب صديقة، عرفت أنّه هو من الصوت الخلفي. أرسلت رسالة مباشرة: "هل ركبتَ قطار القاهرة-الإسكندرية في 14 يناير الساعة الواحدة؟".
ردّ بعد ساعتَين: "نعم. وطلبتُ منكِ شاحن".
الأشهر التسعة الأولى
لم تكن سهلة. تعيشان في مدينتَين: هي في المعادي، هو في الإسكندرية. قطار السبت ذاته صار طقسهما الأسبوعي. الميزانية ضيّقة، لذا تناوبا: أسبوع عندها، أسبوع عنده. الحبّ عن بُعد في داخل مصر أصعب ممّا يبدو — الوقت المشترك كلّ 7 أيام يضع عليك ضغطًا لصنع "ذكرى" بدلًا من الراحة.
القرار الكبير: القاهرة
في مارس 2024، قرّر ياسر الانتقال إلى القاهرة. لم يكن قرارًا عاطفيًا فقط — كان منطقيًا: سوق الأفلام في مصر يمرّ عبر القاهرة. استأجر شقّة صغيرة في حدائق القبّة أولًا، ثم انتقلا معًا إلى شقّة في الزمالك بعد ستة أشهر.
ما الذي ساعدهما على الاستمرار
- الإيقاع الأصلي: اللقاء الأول لم يكن مسرحًا. كان صدفة، وهذا خلق قاعدة أقلّ ضغطًا.
- شراكة عمل ناشئة: ندى ساعدته في تنظيم إنتاج أفلامه. هو دفعها لترك الاستشارات والانتقال إلى إدارة مشاريع ثقافية.
- الاعتراف بعدم التطابق: هو فوضوي، هي دقيقة. تقاسما الأدوار بدلًا من محاولة التغيير.
- لا مُقاومة لإيقاعَي العائلتَين: عائلته إسكندرانية، عائلتها قاهرية. يزورون جميعًا بانتظام.
ماذا يقولان الآن
في مقهى الزمالك حيث قابلتهما، قالت ندى: "لو لم تأتِ العاصفة، كنتُ نمتُ الساعتَين. لم أكن أعرف أنّي مستعدّة لبدء شيء". قال ياسر: "لم أكن أُخطّط لبدء شيء أصلًا. كنتُ محاصرًا بفيلمي. هي ذكّرتني أنّ الحياة تحصل بين المشاريع، لا بعدها".
دروس لا يُمكن نسخها
قصّة ندى وياسر ليست نموذجًا يُمكن تكراره. لا يمكنك أن تُخطّط لعاصفة ترابية. لكن فيها تفاصيل صغيرة قابلة للنقل: السفر المنفرد حيث تكون مفتوحًا بدل أن تكون محصّنًا بالأصدقاء، قبول الصدفة بدلًا من مقاومتها، وشجاعة الرسالة الثانية التي تتأكّد بها بعد شهرَين.
لا تنتظر عاصفة. لكن حين تحصل، لا تضع سمّاعاتك في أذنَيك. تحدّث مع الشخص المجاور. أسوأ ما يحدث هو لا شيء. أفضل ما يحدث هو شراكة ثلاث سنوات وأكثر.