← العودة إلى المدونة
Member Stories

قصة وليد، 62، مطلّق، عمّان: نادي الشطرنج كل خميس

Feb 24, 2026 1 دقيقة قراءة
قصة وليد، 62، مطلّق، عمّان: نادي الشطرنج كل خميس

لم يذهب وليد إلى نادي الشطرنج ليبحث عن حبّ. ذهب ليجد هدوءًا. بعد سنةٍ كاملة من الخمائس الصامتة، التقى بامرأةٍ تلعب الافتتاح الصقلي بشكلٍ يُشبه طريقته في الحياة.</p>

في فندقٍ قديم بوسط عمّان، في قاعةٍ جانبيّة لا يصل إليها سوى مَن يعرف الطريق، يلتقي كلَّ خميس حوالى اثني عشر شخصًا لـ«نادي شطرنج عمّان». متوسّط الأعمار قرابة الستّين. لا موقع على الإنترنت، لا صفحة على فيسبوك، لا إعلان. الناس تعرفه بالكلام. تذهب، تدفع دينارَين، تلعب لمدّة ثلاث ساعات، وتعود.

وليد، اثنان وستّون، مطلّق منذ سبع سنوات، مهندس زراعيّ سابق في وزارة، يسكن في عبدون، بدأ بالذهاب إلى هذا النادي في خريف 2022 بنصيحة من طبيبه. «قال لي: لا تحتاج إلى مضادّ اكتئاب. تحتاج إلى أن تجلس مع ناسٍ لا يعرفونكَ بسوء». هذه الجملة الأخيرة أعادت وليد إلى الحياة العامّة.

الخميس الأوّل

في خميسه الأوّل، لعب مع رجلٍ في السبعين. خسر في اثنتي عشرة نقلة. لم يبتسم الرجل السبعيني. فقط قال: «الملكة ليست أقوى قطعة. الملك هو الأقوى. الملك يحيا في الخمس خانات القريبة منه. لا تنسَ هذا». هذه الجملة التي قُصد بها الشطرنج، وصلت إلى وليد بمعنى آخر. الملك، الذي يتحرّك قليلًا، يبقى حيًّا. السيّدة التي تتحرّك كلَّ الاتجاهات، تموت أولًا.

في تلك الليلة، عاد وليد إلى بيته وفكّر: «هل كنتُ في زواجي ملكًا أم سيّدة؟». استنتج، بصدق، أنّه كان سيّدة. يتحرّك كثيرًا، يُرضي الجميع، ينتقل في كلِّ الجهات، وفي النهاية، خسر. الطلاق جاء بعد سنةٍ من فقدانه لنفسه.

ستّة أشهر من الخمائس الصامتة

لستّة أشهر، ذهب وليد كلَّ خميس. لم يُكلّم أحدًا أكثر من «مساء الخير» و«مبروك اللعبة». لعب، خسر أكثر ممّا ربح، تحسّن ببطء. الأهمّ: نام ليلة الجمعة أفضل من كلِّ ليلةٍ أخرى في الأسبوع.

«اكتشفتُ شيئًا غريبًا»، يقول وليد اليوم. «الجلوس أمام غريبٍ ثلاث ساعات دون حاجةٍ إلى الكلام هو أحد أنقى أشكال الصحبة. لم أشعر بالوحدة في أيِّ مساءِ خميس، حتى قبل أن أعرف أسماء أحد».

ظهور ليلى

في ربيع 2024، جاءت امرأةٌ جديدة. ليلى، ثمانٌ وخمسون، مطلّقة، طبيبةٌ متقاعدة، من حيّ الرابية. الجميع انتبه، لأنّ دخول امرأةٍ جديدة إلى نادي شطرنج ذكوريٍّ إلى حدٍّ كبير ليس حدثًا صغيرًا. لم تعتذر عن دخولها. قالت: «أريد أن ألعب. من يلعب معي؟».

تردّد الرجال. وليد، الذي كان جالسًا في الزاوية، رفع يده: «أنا». هذا ليس شجاعة. هذا أنّ الطاولة الثانية كانت فارغة وهو كان يلعب وحده مع كتاب.

لعبا. ليلى فازت. لم تتفاخر. قالت: «لعبتَ الافتتاح الإسباني جيّدًا، لكنّكَ تركتَ الفيل في c1 أطول من اللازم». هذه الجملة، ببرودتها التحليلية، كانت بداية كلّ شيء.

اللعب الأسبوعي لمدّة أربعة أشهر

لأربعة أشهر، لعب وليد وليلى كلَّ خميس. أحيانًا ربحت، أحيانًا ربح. في اللعبة، لا يتكلّمان. في الاستراحة، يشربان شاي النعناع معًا. يتحدّثان عن كتب، عن أخبار سياسية خفيفة، عن مذاقِ قهوةٍ بروّاها مختلفًا عن الأخرى. لا أسئلة شخصية.

في الشهر الخامس، قالت ليلى: «الخميس القادم لن أستطيع. ابنتي قادمة من ألمانيا. لكنّ الخميس الذي يليه، موجودة». هذه الجملة الصغيرة أدركَ وليد بعدها أنّه كان يخاف شيئًا دون أن يعرف: أن تغيب أسبوعًا ولا تعود.

العشاء الأول، خارج النادي

بعد ستّة أشهر، دعاها إلى عشاء. ليس لقاءً رومانسيًّا. قال بوضوح: «أُحبُّ حديثكِ، وأحبّ أن أسمعكِ حين لا نتكلّم بين نقلتَين». وافقت. ذهبا إلى مطعمٍ لبناني في عبدون. طلبت هي النبيذ. طلب هو الماء. لم يحرج كلاهما الآخر بهذا الاختلاف. هذا أيضًا كان اختبارًا اجتازاه.

«تكلّمنا ساعتَين ونصف»، يقول وليد. «حكَتْ لي عن طلاقها دون مرارة. حكيتُ لها عن طلاقي دون غضب. هذا نادر. معظم المطلّقين في عمرنا، إن تكلّموا عن الزواج السابق، إمّا دافعوا عنه بسخافة، أو هاجموه بعنف. هي حكَتْ وكأنّها تحكي فيلمًا شاهدَته مرّة».

السنة التالية: بدون استعجال

لم يتزوّجا. لم يعلنا علاقة. لم يتبادلا الهدايا الغالية. فعلا شيئًا أذكى: دخلا في إيقاعٍ هادئ. كلَّ خميس في النادي. كلَّ أحد مساءً عشاء في بيت أحدهما. كلَّ خمسة أسابيع سفرٌ قصير إلى العقبة أو أم قيس. لا أكثر، لا أقلّ.

يقول وليد: «تعلّمتُ من الشطرنج شيئًا لم أكن أعرفه عن نفسي. أنا لاعبٌ بطيء. أحتاج إلى دقيقتَين قبل النقلة. في زواجي الأوّل، كنتُ أنقل بسرعة لأرضي. الآن أنقل بعدما أرى. ليلى تفهم هذا. لا تستعجلني».

ماذا يقول لمن يشبهه

طلبتُ من وليد نصيحةً للرجال في عمره الذين لا يعرفون من أين يبدأون. قال:

  1. اذهب إلى نشاطٍ تحبّه حقيقةً، لا إلى نشاطٍ تذهب إليه لتتعرّف على شخص. النيّة تظهر في الوجه. الناس في الستّين يميّزون بين من جاء ليلعب ومن جاء ليصطاد.
  2. اصمت الأشهر الأولى. الصمت يبني احترامًا أكبر من كلِّ كلامٍ ذكي.
  3. لا تحاول أن تكون المرح. في الخمسين والستّين، الهدوء جذّاب أكثر من المرح.
  4. اقبل أن تخسر. على رقعة الشطرنج وفي الحياة. من يقبل الخسارة بشرف يُحترَم. من يتذمّر بعد كلِّ خسارة يُنفَر منه.
  5. لا تدعُ أحدًا إلى عشاءٍ في الشهر الأوّل. امنح المكان حقّه. النادي ليس تطبيق مواعدة. هو نادٍ.

النادي نفسه اليوم

في 2026، يعدّ نادي شطرنج عمّان خمسةَ عشر عضوًا منتظمًا، بينهم أربع نساء وثلاثة أزواجٍ التقوا داخله. لا أحد يعلن شيئًا. الحياة الشخصية تبقى في الخارج، واللعب في الداخل. وهذا بالضبط سرّ النادي.

ليلى ووليد لا يلعبان معًا في النادي إلا نادرًا. اختارا أن يلعب كلٌّ منهما مع خصومٍ آخرين. «نلعب معًا في البيت»، تقول ليلى مبتسمة. «في النادي، نحن لاعبان، لا زوجان. هذا احترامٌ للمكان».

خطوة صغيرة لقرّاء هذا المقال

في مدينتكَ نادٍ كهذا، لا بُدّ. نادي شطرنج، نادي طاولة، نادي قراءة، نادي مشي صباحي، جوقة كنسية، درس طبخ. ابحث عنه. اذهب مرّةً واحدة. لا تتكلّم مع أحد. شاهد فقط. إن شعرتَ بالهدوء، عُدْ مرّةً ثانية. البقيّة تأتي وحدها، أو لا تأتي، وكلاهما جيّد.

الحبّ في الستّين لا يُصطاد. ينتظر. ويوم تكون منشغلًا بشيءٍ حقيقيّ، يجلس بجانبك ولا تنتبه في البداية. وهذا، بالضبط، ما حدث لوليد.

مقالات ذات صلة

حكاية رحالة رقمي بين لشبونة وعمّان: حب عبر منطقتين زمنيتين

حكاية رحالة رقمي بين لشبونة وعمّان: حب عبر منطقتين زمنيتين

Mar 30, 2026

قصة سارة، 22، تونس المنزه: من DM إلى أول رحلة معًا

Mar 24, 2026
قصة هدى ومنير: تعرّفا في جوقة الكنيسة في بيروت

قصة هدى ومنير: تعرّفا في جوقة الكنيسة في بيروت

Mar 16, 2026

المزيد من Member Stories

عرض الكل →