أعترف لكِ بشيء. حين أقرأ مَلَفّات المشتركين في الخامسة والخمسين، أجد عادةً الخطأ نفسه يتكرّر: يحاول كلُّ شخصٍ أن يُلخّص خمسين سنةً في فقرة. النتيجة ملفّاتٌ تشبه السيرة الذاتية للعمل، أو أسوأ، نعي في جريدة. لا أحد يريد أن يُواعد سيرةً ذاتية.
الملفّ الجيّد، بعد الخمسين، ليس سيرة. هو دعوة. مثل بطاقة قهوة صغيرة توضع على باب شقّةٍ جديدة. تقول: «أنا هنا، هذا طابعي، ادخل إن أحببت». لا أكثر. الكثرة تُخيف، والصمت يُجفّف.
ما يجب أن يكون في الفقرة الأولى
ثلاث جُمَلٍ تكفي. والثلاث يجب أن تُعطي القارئ إيقاعَكَ، لا سيرتك.
- جملة عن يومِكَ الحقيقي. لا «أحبّ الحياة»، بل «صباحي يبدأ بقهوةٍ وصحيفةٍ ورقية، وأعرف أنّ هذا غريبٌ في 2026».
- جملةٌ عن شيءٍ صغيرٍ تستمتع به. ليس السفر إلى موريشيوس. شيءٌ قريب. «سوق الأحد في راس بيروت، أبحث فيه عن زيتونٍ لا يشبه الآخر».
- جملةٌ عمّا تبحث عنه، بكلماتٍ هادئة. «أبحث عن شخصٍ يُحبّ الحوار الطويل بلا استعجال». لا «أبحث عن توأم روحي».
الصور: لا أكثر من أربع
كثرة الصور تقلّل الصدق. أربع صور تكفي:
- صورة وجهٍ واضحة، في ضوءٍ طبيعي، بدون فلاتر. ابتسامةٌ خفيفة، لا ابتسامة عيد ميلاد.
- صورة في نشاطٍ تحبّه. تقطف الزيتون، تمشي في غابة، تعزف عودًا، تعمل خزفًا. تُخبر الناظر من أنت دون كلمة.
- صورة من ظهرك أو جانبك في مكانٍ تحبّه. كورنيش عمّان، الحيّ القديم في مراكش، قاعة رقصٍ في إسطنبول.
- صورة مع أحد أفراد العائلة أو صديقٍ مقرّب، لا مع طفلٍ صغير (الأطفال الصغار في مَلَفّات المواعدة يربكون ويطرحون سؤالًا عن الإذن).
لا صور زواجٍ قديم، حتى لو كنتَ مقتطعًا من جانبها. لا صور من التسعينيات. لا سيّارة فاخرة. لا ساعةٌ بارزة. لا مرآة بلا قميص.
ما يجب تركه خارج الصفحة
قاعدتي الذهبيّة: كلُّ ما يحتاج إلى شرح، اتركه للقاء. الملفّ ليس مكان الشرح.
- تفاصيل الترمّل أو الطلاق. جملةٌ واحدة تكفي إن شئتَ: «أرملٌ منذ ثلاث سنوات». لا أكثر. لا تُحمّل الزائر ما هو ثقيل في الرسالة الأولى.
- الرواتب، الشقق، السيارات. من يريد المال يعرف كيف يجده. من يريدكَ أنت يريد أن يقرأ شخصيّتك، لا قائمة ممتلكاتك.
- القوائم السلبية. «لا أريد من تكذب، لا أريد من يدخّن، لا أريد من يسافر كثيرًا». قائمة النفي الطويلة تُخبر القارئ أنكَ محبطٌ من سابقٍ. ليس هذا ما تريد قوله.
- الصحّة التفصيلية. إن كان لديكَ حالةٌ مزمنة، اذكرها في الموعد الثاني لا في الملفّ. الملفّ ليس تقريرًا طبيًّا.
- الطلبات السياسية أو الدينية الصارمة. إن كانت خطوطًا حمراء، اذكرها بجملةٍ محترمة، لا بقائمة.
ثلاث مَلَفّات حقيقية، مُعدّلة
مَلَفّ فادي، 57، عمّان. كان يكتب: «مهندسٌ متقاعد، أرملٌ، لديَّ بنتان، أحبُّ السفر والمطالعة والموسيقى الكلاسيكية، أبحث عن شريكةٍ مخلصة صبور».
بعد التعديل: «أقضي صباحي على شرفةٍ تطلُّ على الرابية. القهوة أولًا، ثم الجريدة، ثم صفحتين من كتاب. أُحبّ باخ كثيرًا، وأُجرّب أن أحبَّ الجاز. بنتان بالغتان تعرفان أبي جيدًا. أتكلّم حين أجد شخصًا يصغي».
الفرق واضح. الأوّل نعي، الثاني دعوة.
مَلَفّ هيام، 54، بيروت. كانت تكتب: «مطلّقة، موظّفة، أحبُّ العائلة والطبخ، أبحث عن رجل صادق نظيف القلب».
بعد التعديل: «ولدتُ في صيدا، أعيش في راس بيروت منذ خمسة عشر عامًا. أطبخ يوم الأحد لابني الجامعي فقط حين يأتي، باقي الأيام أقرأ أو أمشي. تعبتُ من الكلمات الكبيرة مثل "الحب الحقيقي"، أبحث عن حوارٍ حقيقي، ونقطة».
مَلَفّ وليد، 61، الدار البيضاء. كان يكتب قائمةً طويلة بما لا يريد. بعد التعديل: «صاحب محلّ صغير قرب الكورنيش، أعمل قليلًا وأقرأ كثيرًا. بنتي في باريس، ألتقيها مرّتين في السنة. لا أُحبّ الاستعجال، لا في القهوة ولا في المحادثة».
السؤال الذي يُميّزك
إن كان التطبيق يسمح بسؤالٍ ختامي، استخدمه بذكاء. لا تكتب «ما هوايتكِ؟». اكتب سؤالًا يدلّ على طابعك: «ما الكتاب الذي لم تنهه وتشعر بالذنب منذ سنوات؟» أو «أيّ شارعٍ في مدينتكِ تعتبرينه شارعَكِ الشخصي؟». الأسئلة الصغيرة تصنع محادثاتٍ طويلة.
قاعدةٌ ذهبية أخيرة
اقرأ ملفّكَ بصوتٍ مرتفع قبل النشر. إن شعرتَ بالحرج، إن ضحكتَ على نفسك، إن قلتَ «هذا ليس أنا»، فاحذفه. الملفّ الذي لا يُشبه صاحبه يجذب أشخاصًا لا يُشبهونه، وهذه بداية سوء تفاهمٍ طويل.
وإن لم تجد كلماتٍ كافية، اكتب أقل. الصمت الأنيق أفضل من الثرثرة المرتبكة. في الخامسة والخمسين، الصمت يُقرأ كثقةٍ، لا كخجل.